حبيب الله الهاشمي الخوئي
254
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
على يقين وأمّا الاستماع لا بقصد الفهم والقبول فقد ذمّ المستمعين كذلك في قوله : * ( ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوه وهُمْ يَلْعَبُونَ ) * أي لم يستمعوه استماع نظر وتدبّر وقبول وتفكَّر وإنّما استمعوه استماع لعب واستهزاء ، وفى قوله * ( ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ) * أي من جملة هؤلاء الكفّار من يطلبون السمع إلى كلامك للرّد والتّعنّت لا للفهم والقبول ، فلمّا كان استماعهم على هذا الوجه كانوا كأنّهم صمّ لا يستمعوه حيث لم ينتفعوا به فاستحقّوا الطعن والتعريض من اللَّه عزّ وجلّ بذلك . واستضاؤا أيضا بنور حاصل في الابصار بسبب نظرها إلى ما هو محصّل لنور المعرفة من آيات الكبرياء والعظمة وعجايب الصّنع والقدرة كما قال تعالى * ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه الْحَقُّ ) * وقال * ( ومِنْ آياتِه يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وطَمَعاً ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِه الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * . هذا إذا كان النظر إليها للاستبصار والاعتبار وإلَّا فلا خير فيه ولا منفعة ولا يزيد إلَّا الغفلة ، ولذلك ذمّ اللَّه تعالى شأنه الكفّار بكون نظرهم على هذا الوجه في قوله * ( ومِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ) * أي ينظر إلى أفعالك وأقوالك لا نظر الحقيقة والعبرة بل نظر العادة فلا ينتفع بنظره ولا يزيدهم النظَّر إلَّا عمى وجهالة . وأمّا الاستضاءة بنور يقظة الأفئدة فيقظتها عبارة عن فطانتها وجودتها وتوجّهها إلى ما ينبغي لها من الكمالات العقلية وتفكَّرها في آثار القدرة والجلال والجبروت وآيات العظمة والكمال والملك والملكوت ، وتدبّرها في بدايع المصنوعات ومعاني الآيات المحكمات كما قال تعالى * ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ ) * وقال * ( كِتابٌ أَنْزَلْناه إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِه ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ ) * .